مفارقة
(قصة قصيرة)
كلما عدت الى مدينتي الساحرة، لا استطيع مقاومة رغبتي في زيارة المقهى الغابوي بهضبة سيدي عبد الحميد. في اليوم الاول من العطلة نهضت باكرا، وبدأت بتسلق الطريق المتعرج صعودا مشيا على الأقدام. الهواء في مدينتي مختلف عن هواء مدينة الإقامة. كل اشتنشاق يملأ رئتيك يجعلك أكثر نهما وإقبالا على التنفس وكأنك تتناول طبقا لذيذا من أكلة تعشقها، في فضاء طبيعة مخضرة عذراء خلابة مترامية الأطراف، تغطيها قبة زرقاء شديدة الصفاء.
وصلت الى المقهى واستلقيت بسرعة على الكرسي الخشبي المقابل لطاولة صنعت من جذوع الشجر،كل سر جمالها ان النجار لم يتقن نحتها كما ألفت العين في المقاهي الفاخرة. نسيم بارد يدغدغ أطراف أجسادي، وصمت مطبق يلف المكان، لدرجة ان تساقط اوراق الشجر يؤذي السمع.
غبطت نادل المقهى الشاب الغارق في النوم بالبيت الآجوري ذي السقف الخشبي المخصص لإعداد الشاي. فلا شيء يعكر صفو رقاده. وليس هناك في الدنيا امتع ولا اجمل من نوم عميق لا يكسره كابوس ولا منغص من المنغصات.
على مقعدي الخشبي غير المستوي، أمامي الملعب حيث قضيت جزءا من طفولتي في مداعبة كرة القدم. هو نفس الملعب الذي دأب أطفال الأحياء العليا الالتقاء به لتنظيم بطولاتهم الكروية، والذي يتحول عند كل موسم شتاء الى مسبح كبير. خلف هذا الملعب ينتصب فندق أسماء الابيض الجيري ذي المعمار الحديث حيث قضيت فترة تدريب قبل اكثر من ربع قرن بعد تخرجي من المعهد العالي الدولي للسياحة.
الزمن هنا متوقف ولا شيء يتحرك في المكان. صمت القبور. شردت طويلا وغرقت تحت وطاة ذكريات المكان حتى انفصلت كلية عن جسدي.
من بعيد، تتراءى لي خيالات لا اكاد اميزها تتقدم نحوي تسير بخطى متثاقلة ومنتظمة تحت الظلال القاتمة للجبل المنتصب أعلى منبع راس الماء، وهو نفس الجبل الذي يحجب شروق الشمس عن مديني، ويجعل الشمس تنتشر متأخرة بدقائق عديدة فوق زقاق المدينة القديمة . يقترب الصوت اكثر فأكثر مني بينما لا ازال غارقا في وحل الملعب ووحل الشخوص والذكريات. على وقع موسيقى الخطوات المقتربة مني، اخرج تدريجيا من غفوتي موجها نظري دون تركيز إلى زائري. فجأة ينتصب أمامي شخص كهل معتدل القامة، يقود سربا من الحمير تحمل اتربة في حملين معلقين على جوانبها ندعوها بلهجتنا المحلية الشواري. وقف الرجل امامي وهو يحدق في عيناي محاولا انتشالي من غفوتي. نور الصباح الخافت وظلال اشجار الغابة، واشعة الشمس المنكسرة أعلى المكان صعبت علي مهمة التعرف عليه. وبنبرة محتشمة ومتشككة بادرني الكهل وقد ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه تروم تقديم حسن النية في رغبته في التعرف علي:
ألست سعيد ؟
أجبته وانا اسارع بالوقوف احتراما لسنه وطيبوبته:
بلى انا هو بشحمه ولحمه! وبحسرة حاول كتمها عني، اردف قائلا : يبدو أنك لم تتعرف علي، لقد درسنا معا بالابتدائي؟؟
سؤال الصديق المزعوم أخرجني من ذكريات الطفولة ومن الملعب المتوحل حيث كنت اهيم، الى موقف احسست فيه بالكثير من الحرج والخجل. تساءلت بين نفسي كيف يكون صديقي هو هذا الوجه الأغبر المتجعد المتلفح؟ حاولت ان اميز ملامحه وان اعيد تركيب صورته الطفولية. لم أستطع!
تبدو ملامح الرجل ملامح رجل من زمن آخر غير زمني. لم أتاخر كثيرا في محاولة استدراك الموقف فربت على كتفه وانا اتصنع تعرفي عليه. وقلت له بنبرة ضاحكة متكلفة:
لقد تغيرت كثيرا يا رجل، ماذا حل بك؟
وبكل عفوية الناس البسطاء توجه الي بطريقة زادت من توتري :
أتحداك أن تتعرف علي وتذكر لي إسمي!
فاندهشت لردة فعله الواثقة، و قلت له: كيف عرفت ذلك؟
فاستطرد : من عيونك يا صديقي عرفت. نحن لم نلتق منذ أكثر من ثلاثين عاما لدرجة انك سقطت من ذاكرتي تماما لولا اننا التقينا صدفة هذا الصباح. وأضاف: صحيح ان ملامحك انت لم تتغير كثيرا، إلا أنني تغيرت كثيرا ويستحيل عليك التعرف علي دون ان اخبرك باسمي.
لم يكن بامكاني توتير نفسي أكثر، فوجهت اليه السؤال رأسا دون مواربة : من تكون يا سيدي؟ فرد بسرعة كمن يزف الي خبرا سعيدا: أنا مصطفى (ح) صديقك بمدرسة النوازلي وجليسك بنفس الطاولة!
بمجرد سماع إسمه عادت ذاكرتي بسرعة البرق الى الطاولة الثانية بالصف الثاني من الحجرة الدراسية بالطابق الاول من مدرسة مولاي علي النوازلي، مسترجعا جميع تفاصيل صداقتنا. لم اتمالك نفسي وعانقته بكل حرارة.
وفي محاولة للتصالح مع اول لحظات اللقاء المزعجة قلت له فيما يشبه الجزم بمعرفتي به: إذن انت هو مصطفى "العقل"!
لقد كان مصطفى الملقب ب "العقل"حقا نابغة زماننا في الحساب ومصدر فخرنا بين أقراننا بالمدرسة لدرجة ان المعلمين كانوا يتنبؤون له بمستقبل عظيم، وغالبا ما كانت اجوبته المتفوقة تثير الدهشة لديهم وتدفعهم لمنحه من دون باقي التلاميذ هدايا بسيطة على شكل حلويات كانت تفوق في اثرها النفسي علينا أنذاك كل الهدايا الغالية اليوم. ارتبكت من الموقف لأني كنت اعتقد ان مصطفى اختفى عن انظاري كما اختفى الكثير من زملائي لانهم اكملوا دراستهم و اصبحوا مهندسين او أطباء او اساتذة او مثل آخرين رحلوا عن المغرب طواعية. رفعت نظري الى وجهه المتلفح وشعره الابيض، فلم استطع إطالة النظر أليه، فاخفضت عيناي الى الأرض حيث لمحت حميره الاربعة مطأطأة رؤوسها وهي متوقفة بانتظام وهدوء مثير تنتظر امر سيدها.
دبت في جسدي قشعريرة ولم اجد ما أقوله. حاولت كسر المفاجأة بدعوة صديق الطفولة للفطور معي بالمقهى، إلا ان مصطفى اعتذر بكل استحياء، مبررا رفضه بضروره الاسراع بايصال الأتربة الى صاحبها بالمدينة القديمة قبل قدوم "المعالمية". استأنف مصطفى مسيرته بعد استئذاني وقد تبعه سرب الحمير مصدر رزقه.
لم يكن من اللائق بي طرح المزيد من الأسئلة عليه، علما ان مصطفى كان فائق الحياء والذكاء والعفة، ولو أنه لم يغادر المدرسة مبكرا بسبب الفقر لكان شخصا آخر الآن.
عدت للجلوس لبعض اللحظات، ولا أدري لماذا احسست برغبة عارمة في مغادرة المكان فورا. نزلت الى المدينة الزرقاء التي اصبحت مزدحمة على غير عادتها على طول السنة دون ان اعرف الى اين أسير بعدما تلاطمت الاسئلة والصور في رأسي.
بعد مقامي ثلاثة ايام بمديني الام قفلت راجعا الى طنجة الصاخبة، مقر اقامتي وعملي ومهوى قلبي. طنجة العجوز التي لا تهرم والجمال الذي لا يفنى.
في مقهى مطل على البحر تبدو عليه كل مظاهر الابهة والترف اتردد عليه من وقت لآخر، جلست اتناول قدح قهوتي اليومي والهو في هاتفي النقال. في الشارع المقابل للمقهى تبدو المحلات التجارية الفارهة وجموع من الشباب المخملي يجوب الارصفة ذهابا وأيابا تحت اصوات موسيقى غربية صاخبة.
وأنا أهم بمغادرة المقهى، اعترضني شاب في كامل شياكته وقد خرج للتو من سيارة أوديAudi رباعية الدفع جديدة. انهال علي بكل جسده الثخين، وهو يعانقني ويضرب على كتفي بكل قوة. وبنبرة فيها المزيج من الأحاسيس والمعاني سألني:
أين انت يا صديقي الأستاذ ؟ فين غبورك؟ توحشناك! فاجبته بنفس نبرته المحملة بالتلميحات المستهزئة والألغاز: أنا هنا يا رجل الاعمال بين العمل والمقهى...
وما بين الدهشة و الفضول بادرته بالسؤال: لم أرك منذ سنوات، أين اختفيت أيها العفريت؟
اخرج صديقي عبد القادر حفنة مفاتيح من جيبه، واشار الى البوتيكات الضخمة المنتشرة على طول الشارع الفاره المقابل لنا: تلك محلاتي وذاك السرب من السيارات المتوقفة بالباركينغ المجاور لها هي سياراتي مخصصة للسياحة الراقية.
كان عبد القادر(ه) الذي كنا ندعوه من باب الدعابة ب"أغيول" وان لم نكن نعرف انذاك معنى هذه الكلمة الاماويغية التي تعني الحمار، شخصا بليدا للغاية، متهورا ومشاكسا، ومع انه واصل دراسته الى غاية الاعدادي الا ان غباءه وكسله وسلوكه المنحرف عجل بطرده من الدراسة.
وفي خضم صور اسطول السيارات الرباعية الدفع التي يقودها أغيول، وبين سرب الحمير الذي يقوده النابغة مصطفى "العقل"، استاذنت عبد القادر وانطلقت على عجل نحو بيتي مصدوما لا ألوي على شيء.
طنجة في 23 اكتوبر 2018

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق