"موت ثعلب"
(من رسائل شن إلى طبقة )
---------------------------------------
طبقة: زعم أحد الأدباء أن ثعلبا كان يتفيأ وقت الهاجرة بظل كرمة قد تهدلت أغصانها وتدلت عناقيدها،وإذا شن عليه الجوع بخميسه، سرعان ما يستجير بثمر الكرمة المتساقط يأكل منه ما وجد أو ما تيسر ، فيفل به جمع جيش الجوع ويطفئ لهيب سعيره. ومكث الثعلب على هذا الحال زمنا. فالكرمة بمثابة الملجأ الذي يحميه من أنياب المسغبة إذا آحتدت، ويقيه شر القيظ إذا آستشرى.
وذات يوم من أيام تموز التي سعرت بجمر الحر رمضاؤها، وآشتعلت بلهيب آلشمس سماؤها، والثعلب مستلق على جنبه في ظلال الكرمة الوارفة، تحول بصره إلى عناقيدها اللامعة كالبلور، فتوسعت حدقتا عينيه وأمعن النظر فيها يتبع النظرة بالنظرة حتى تاقت نفسه إليها، ولم يصمد أمام وساوس نفسه المتلاحقة كالموج المتعاقب. فنفسه آﻷمارة بالسوء تسول له، تمنيه باليسر تارة وتغريه بالحسن أخرى.فآستحوذه
آلسوء وطبع على قلبه وغشى بصيرته، وهنا طفق يبحث عن حيلة توصله إلى العناقيد آلعالية المتدلية الشهية.طورا يلتمس معراجا يرتقيه كي يتناول ما تشتهيه نفسه، وتارة يثب ويقفز دون أن يصل إلى ما يبتغيه. هيهات هيهات له ذلك.
ظل الثعلب يبحث عن طرق وأساليب شتى من أجل نوال ما يروم حتى أدركه آلعناء وحل به آلنصب، لكنه لم يستسلم أزاء ذاك آلكد بعد ما بذل من آلجهد ما بذل. فآستعاد أنفاسه ولملم أشلاء قواه والغضب يندلق من فيه موجا، ورذاذه يتطاير من عينيه شررا .فعمد إلى ساق الكرمة يقضمها بأنيابه حينا ويقرضها بقواطعه حينا آخر ، محاوﻻ قطعها إلى أن قدر على ذلك. فتنفس آلصعداء وآستنشق الهواء، ثم آفترَّ عن أسنانه مبتسما وقد تملكته نشوة آلنصر، ثم جذب آلساق المقطوعة إليه وهو يلهث جذبة أطارت آلعناقيد إلى حضنه وشرع يأكلها حتى بشم . وأذكر المتنبي وقوله :
"نامت نواطير مصر عن ثعالبها
وقد بشمن وما تفنى آلعناقيد "
بكت الكرمة آلقتيلة، تساقطت أوراقها دموعا،غاب آلظل عن المكان،وآشتد القيظ في آﻷوان ، وتغير آلحال في آلحال،فأفل (آلفيء) آلذي كان يقيه ، وآشتد آلقيظ آلذي كان يتقيه، وغار آلماء ،ولفح الهواء، وجفت عروق الثعلب، كما أن ماء الكرمةنضب، وحل بالكرمة آلمقت ،وحضر آلثعلب آلموت.
وبعد مرور عام ،أنبتت جذور الكرمة ساقا شديدة القوام ، ﻻ تقدر عليها آلثعالب ،وﻻ يؤثر فيها نسيج العناكب.
فلما تقلد آلثعلب عقد آلقناعة حظي بآﻷمن وآلحياة ،وحين توشح بآلحرص وآلشره أدركه آلهلاك وآلممات. ولقد غاب آﻷمن وولت آلسلامة،عندما آعتلى آلرويبضة آلمنابر وآنتزعوا آﻹمامة. وهل فيما أقول يا أهل آلنهى من ملامة؟!
لم ولن تجدوا ما أقول في كتاب آﻷم للشافعي،وﻻ في آلمغني ﻹبن قدامة،وليس في موطأ مالك ،وإن تشعبت في ذهنكم آلمسالك.
من آلحذر في آلخطر
من رسائلي(من رسائل شن الى طبقة)
امين اسعد زيد الكيلاني(شن)
عاره - قضاء حيفا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق